محمد بن جرير الطبري
189
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
حكم الله ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته ، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربى اللهم إني لا أقول هذا تزكيه منى لنفسي ، أنت اعلم بي ، ولكن أقوله تعزيه لامي لتسلو عنى فقالت أمه : انى لأرجو من الله ان يكون عزائي فيك حسنا ان تقدمتنى ، وان تقدمتك ففي نفسي ، اخرج حتى انظر إلى ما يصير امرك قال : جزاك الله يا أمه خيرا ، فلا تدعى الدعاء لي قبل وبعد فقالت : لا ادعه ابدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب والظما في هواجر المدينة ومكة ، وبره بابيه وبي اللهم قد سلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين . قال مصعب بن ثابت : فما مكثت بعده الا عشرا ، ويقال : خمسه أيام . قال محمد بن عمر : حدثني موسى بن يعقوب بن عبد الله ، عن عمه قال : دخل ابن الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفر ، فوقف فسلم ، ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت : هذا وداع فلا تبعد ، قال ابن الزبير : جئت مودعا ، انى لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بي ، واعلمي يا أمه انى ان قتلت فإنما انا لحم لا يضرني ما صنع بي ، قالت : صدقت يا بنى ، أتمم على بصيرتك ، ولا تمكن ابن أبي عقيل منك ، وادن منى أودعك ، فدنا منها فقبلها وعانقها ، وقالت حيث مست الدرع : ما هذا صنيع من يريد ما تريد ! قال : ما لبست هذا الدرع الا لأشد منك ، قالت العجوز : فإنه لا يشد منى ، فنزعها ثم ادرج كميه ، وشد أسفل قميصه ، وجبه خز تحت القميص فادخل أسفلها في المنطقة ، وأمه تقول : البس ثيابك مثمرة ثم انصرف ابن الزبير وهو يقول :